السيد كمال الحيدري
228
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
يعتقد بها سوف ينتهى به الحال إلى الاضمحلال والفناء شاء أم أبى ؟ » « 1 » . يغدو هذا التساؤل أكثر إلحاحاً عند مطهّرى عندما يلحظ مبكِّراً وهو يواصل درسه الحوزوى في حاضرة قم أنّ « الغربيّين يجعلون الاعتقاد بالقضاء والقدر إحدى العلل بل العلّة الأساس في انحطاط المسلمين » « 2 » مما يدعوه إلى تشمير ساعد الجدّ والتوفّر على دراسة المسألة في تأليف مستقلّ ، ليتأكّد بنفسه من « تأثير هذه العقيدة أو عدم تأثيرها في انحطاط المسلمين » « 3 » . بديهي كان بمقدور مطهّرى أن يكتفى بالردّ النقضى على تيّار الفكر الأوربى ومن يتابعه في بلاد المسلمين ، محتجّاً بقوله : « إن كان الاعتقاد بالقضاء والقدر سبباً للركود والانحطاط الفردى والاجتماعي ، فلماذا لم يكن واقع المسلمين الأوائل كذلك ؟ » « 4 » خاصّة وأنّنا جميعاً نعرف أنّ مبدأ القضاء والقدر لم يطرأ على العقيدة الإسلامية تالياً ، بل كان جزءاً من مكوّناتها الأولى منذ لحظة التأسيس ؟ لم يفعل مطهّرى ذلك لسببين أوّلهما منهجىّ يعود إلى طريقته في البحث العلمي التي تميل إلى تحليل القضايا والمسائل والمشكلات التي يتعاطاها والتعامل معها على أساس تأسيسى ( حلىّ ) يسهم في بناء العقول وإزالة الغموض والالتباس ، بدلًا من اللجوء إلى الأسلوب الجدلي وإسكات الخصم وإفحامه بالنقض . وثانيهما : إنّنا فعلًا إزاء مشكلة واقعية في تفكير المسلمين وفى واقعهم ، لا يؤثّر فيها أنّ الأوربيين والدارسين الغربيين ربّما ينفخون فيها ويضخّمونها أكثر . فسواء أثار الدارسون الأوربيون مسألة القضاء والقدر أم لا ، فنحن أمام واقع فكرىّ ملتبس يحياه المسلمون على مستوى هذه المسألة ،
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 15 ، 27 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 34 حيث ردّ على عدد منهم مثل واشنطن أرونك وول ديورانث . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 40 . ( 4 ) الإنسان والقضاء والقدر ، مصدر سابق ، ص 49 .